الهيئة الأوروبية للمراكز الإسلامية

صفة إستشارية لدى الأمم المتحدة
إطلاق تجريبي
2026-08-31

إلى أهلنا في الجزائر: التضامن في المحنة...      ودعوة إلى النصرة.

بسم الله الرحمن الرحيم،
بقلوب يعتصرها الألم، نتابع تداعيات الحرائق المهولة التي اجتاحت عددًا من ولايات شرق الجزائر، ولا سيما جيجل وبجاية وتيزي وزو، وما خلفته من شهداء ومصابين، ومن أضرار جسيمة طالت المساكن والأرزاق والثروة الغابية، وأجبرت عائلات كثيرة على النزوح هربًا من ألسنة النار.

وإنني إذ أتقدم بخالص التعازي وصادق المواساة إلى الجزائر، قيادةً وحكومةً وشعبًا، وإلى أسر الضحايا وذويهم خاصة، أعرب عن عميق تضامني مع المصابين والعائلات المنكوبة، ومع كل من فقد عزيزًا أو منزلًا أو أرضًا أو مصدر رزق.

وتتجه مشاعرنا بصورة خاصة إلى ولاية جيجل، التي نالها نصيب أليم من هذه الفاجعة. فقد كنت على تواصل مع عدد من الأعزاء والأصدقاء من أبنائها، وكان ما نقلوه عن هول المأساة وحجم الخسائر مفجعًا ومؤلمًا جدا.

ولجيجل في ذاكرتنا ووجداننا مكانة عزيزة؛ فقد آوتنا غاباتها الوارفة، واحتضنت جبالها وشواطئها أبناءنا وشبابنا في المخيمات والرحلات على امتداد سنوات طويلة. ومن الوفاء لها ولأهلها أن نقف اليوم إلى جانبها، ونسهم في إغاثة منكوبيها وتضميد جراحها وإعادة الحياة إلى مناطقها المتضررة.

إن ضياع مساحات واسعة من تلك الغابات الجميلة خسارة وطنية وبيئية فادحة، غير أن الخسارة الأعظم تظل خسارة الأرواح البشرية؛ فلا تعادل حياةَ إنسان غابةٌ ولا أرضٌ ولا عمران. ومن هنا، ينبغي أن تبقى حماية المواطنين وتجنيبهم الخطر الأولوية القصوى في مواجهة الكوارث، مهما بلغت شدتها.

وفي قلب هذه المحنة، يقدم أبناء الجزائر مشهدًا وطنيًا نبيلًا؛ إذ يفتحون بيوتهم للنازحين، ويجمعون الطعام والدواء والفراش و اللباس، ويتقاسمون ما بأيديهم، ويحمل القادر منهم عن العاجز، فتتجلى أسمى معاني الأخوة والتراحم والتكافل.

وما أشبه هذا المشهد بما أثنى به رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأشعريين حين قال: «إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو، أو قلّ طعام عيالهم بالمدينة، جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم».

ونعرب عن بالغ تقديرنا للجهود الكبيرة التي تبذلها الدولة الجزائرية في مواجهة هذه الكارثة، كما نتوجه بجزيل الشكر إلى أفراد الجيش الوطني الشعبي، ورجال الحماية المدنية، والأطقم الصحية، وأعوان الغابات، ومختلف الأسلاك والفرق الميدانية،والجمعيات، وإلى المتطوعين والمواطنين الذين هبوا لمكافحة النيران وإجلاء العائلات وإسعاف المصابين وحماية الأرواح والممتلكات.

فتقبل الله من الجميع، وجزاهم عن الجزائر وأهلها خير الجزاء.

وندعو المواطنين إلى الالتزام بتوجيهات السلطات المختصة، والابتعاد عن مواطن الخطر، وتسهيل عمل فرق الإنقاذ والإطفاء، وتحري الدقة في تداول الأخبار. كما نثمّن حرص مؤسسات الدولة على موافاة الرأي العام بالمعلومات الرسمية المناسبة، بما يسهم في طمأنة المواطنين وتعزيز الثقة وتفويت الفرصة على الإشاعات.

وإن هذه المحنة، على قسوتها، تدعونا جميعًا إلى مواصلة تعزيز منظومات الوقاية والإنذار والإجلاء، والاستفادة من التجارب السابقة والخبرات الدولية، بما يدعم جهود الدولة ويرفع القدرة على حماية الأرواح والممتلكات ومواجهة مثل هذه الكوارث مستقبلًا.

وندعو الأشقاء والأصدقاء إلى الوقوف إلى جانب الجزائر، فالجزائر التي عرفت عبر تاريخها بالنخوة والنجدة والوفاء لقضايا أمتها، جديرة بأن تجد من أشقائها وأصدقائها تضامنًا يوازي حجم المحنة.

وإننا إذ نشارك الشعب الجزائري احزانه، ندعو إلى جبر خواطر أسر الضحايا بما يناسب.

اللهم الطف بأهلنا في الجزائر، 
وأطفئ عنهم نار الحرائق، وارحم من قضوا فيها، وتقبلهم في واسع رحمتك، ونحتسبهم عندك من الشهداء،
واشف المصابين، 
ورد المفقودين إلى أهلهم سالمين، 
وآوي النازحين،
واربط على قلوب المفجوعين، 
وأخلف على المتضررين خيرًا.

حفظ الله الجزائر وشعبها من كل سوء، وجعل من تضامن أبنائها قوة على البلاء، ومن بعد العسر يسرًا، ومن بعد الخوف أمنًا وسلامًا.

الشيخ مهاجري زيان
رئيس الهيئة الأوروبية للمراكز الإسلامية
جنيف – سويسرا

29 أغسطس/آب 2026م