علي هامش مشاركتها في مؤتمر المجلس الإسلامي الأعلى بالجزائر
الدكتورة ميادة ثروت مستشارة رئيس الهيئة الأوروبية للمراكز الإسلامية في حوار مع مجلة " لتعارفوا"
التعارف بين البشر مطلب ديني وضرورة أخلاقية
- التعارف الإنساني يعكس فكرة بناء جسور التواصل والتفاهم من خلال الحوار البنّاء
- مؤتمر المجلس الإسلامي الأعلى بالجزائر تجسيد لمراعاة الواقع والاهتمام بقضايا الأمة الإسلامية
- الهيئة الأوروبية للمراكز الإسلامية رائدة في مجال ترسيخ قيم التعارف الإنساني
أجرى الحوار- الشيخ مهاجري زيان
حرصت مجلة " لتعارفوا" على إجراء حوار مع الدكتورة ميادة ثروت مستشارة رئيس الهيئة الأوروبية للمراكز الإسلامية ورئيس قسم مد الجسور بين الشعوب وتعزيز الأخوة الإنسانية، وذلك خلال مشاركتها في مؤتمر المجلس الإسلامي الأعلى بالجزائر الذي عقد خلال الفترة من 21 – 23 يونيو 2025، تحت عنوان " التعارف الإنساني وأثره في إرساء العلاقات وتحقيق التعايش – نحو تعارف الحضارات”.
ودار الحوار حول العديد من القضايا المتعلقة بموضوع المؤتمر، وكيف يمكن استغلال هذه المؤتمرات في خدمة قضايا الأمة الإسلامية، وسبل تصحيح المفاهيم وبيان منهج الإسلام في الدعوة للتعارف، كما تضمن الحوار دور الهيئة الأوروبية للمراكز الإسلامية في مجال التعارف الإنساني، بجانب الحديث عن المؤتمر الذي حضره نخبة من كبار العلماء من العالم الإسلامي.. وإلي نص الحوار.
بداية، نود منكم تقديم نبذة مختصرة عن مسيرتكم الأكاديمية والمهنية ليتعرّف القارئ على شخصكم الكريم.
الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى وبعد.. بدأتُ مسيرتي العلمية في رحاب الأزهر الشريف، حيث حصلتُ على ليسانس الدراسات الإسلامية والعربية، وهي المرحلة التي شكلت أساس معرفتي بالعلوم الإسلامية، بعد ذلك اتجهت نحو دراسة مقارنة الأديان، مدفوعة بشغفي بالبحث عن المشتركات الإنسانية التي تعزز العيش المشترك والسلم بين الشعوب، هذا الاهتمام قادني إلى جامعة الزقازيق، حيث حصلتُ على درجتي الماجستير والدكتوراه، وكنتُ فخورةً بتقديم أول رسالة دكتوراه في العالم عن وثيقة الأخوة الإنسانية، وهي وثيقة تاريخية تدعو إلى التعايش والأخوة بين الأديان.
لاحقًا تشرفتُ بالعمل كمستشارة لرئيس الهيئة الأوروبية للمراكز الإسلامية في جنيف - سويسرا، حيث توليت منصب رئيس قسم مد الجسور بين الشعوب وتعزيز الأخوة الإنسانية، بالإضافة إلى رئاسة اللجنة العلمية لجميع إصدارات الهيئة، ساهمت في هذا الإطار بإشرافي على إصدارات مثل كتاب "اعتدالنا" أول إصدارات الهيئة الذي يعكس رؤيتها في نشر الوسطية والاعتدال، بالإضافة إلى جميع الإصدارات الأخرى.
شاركت في العديد من المؤتمرات الدولية داخل مصر وخارجها بما في ذلك الإمارات العربية المتحدة – ألمانيا – سويسرا - الهند - والجزائر، حيث قدمتُ رؤى حول تعزيز الحوار بين الأديان والثقافات والاستشراق والتغير المناخي وغير ذلك من الموضوعات العلمية التي تعالج أمراض العصر، ومن أبرز لحظات مسيرتي زيارتي للفاتيكان في ديسمبر 2023 بدعوة رسمية برفقة فضيلة الشيخ مهاجري زيان رئيس الهيئة الأوروبية للمراكز الإسلامية، لمقابلة قداسة البابا فرنسيس، وقدمنا له نسخة من رسالة الدكتوراه الخاصة بي وأول إصدار للهيئة كتاب "اعتدالنا" في خطوة تعكس التزامنا بتعزيز قيم الأخوة الإنسانية.
أطمح دائمًا إلى مواصلة هذا النهج من خلال البحث الأكاديمي والعمل الميداني لبناء جسور التواصل بين الشعوب ونشر ثقافة التعايش والسلام
.
شاركتم مؤخرًا في الملتقى الدولي للمجلس الإسلامي الأعلى بالجزائر، الذي ناقش موضوع "التعارف الإنساني وأثره في إرساء العلاقات وتحقيق التعايش"، حدّثينا عن مشاركتكم في هذا المؤتمر، وكيف كانت أجواؤه العلمية والفكرية؟
نعم، فقد شرفت بالمشاركة في هذا الملتقى الإسلامي الفريد بدعوة كريمة من المجلس الإسلامي الأعلى الجزائري، وقد كانت الأجواء العلمية والفكرية للملتقى غنية ومثمرة، حيث شهدت نقاشات عميقة حول أهمية التعارف الإنساني كقيمة إسلامية أصيلة مستمدة من قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا"، ركزت مداخلتي على "التعارف بين البشر مطلب ديني وضرورة أخلاقية.
وتميزت الأجواء الفكرية بالانفتاح والحوار البنّاء، حيث شارك نخبة من العلماء والباحثين من مختلف أنحاء العالم مما ساهم في تبادل الرؤى والخبرات، كما تم التأكيد على ضرورة وضع ميثاق أخلاقي عالمي ينظم استخدام التقنيات الحديثة، مثل الذكاء الاصطناعي، لضمان تعزيز القيم الإنسانية المشتركة؛ المؤتمر كان فرصة لتجديد الالتزام بالقضايا العادلة مثل دعم القضية الفلسطينية، وتعزيز التعاون بين الدول الإسلامية لمواجهة التحديات المعاصرة، وقد جاءت هذه المشاركة ضمن جهود الهيئة الأوروبية للمراكز الإسلامية.
جاء اختيار موضوع الملتقى موفقًا، كما كانت مشاركة الهيئة الأوروبية للمراكز الإسلامية متميزة وذات وزن، كيف ترين الرسالة التي حملها الملتقى؟ وما الأهداف التي سعى لتحقيقها؟ وما تقويمك للجهود المبذولة في هذا السياق؟
هذا الملتقى الدولي يحمل رسالة جوهرية تركز على تعزيز التفاهم المتبادل بين الأفراد والمجتمعات من خلفيات ثقافية ودينية متنوعة، فالتعارف الإنساني كمفهوم يعكس فكرة بناء جسور التواصل والتفاهم من خلال الحوار البنّاء، وهو مستمد من القيم الإسلامية التي تحث على التعارف بين الشعوب (كما في قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا" [الحجرات: 13]).
وقد كان للهيئة الأوروبية للمراكز الإسلامية دور مهم في هذا الملتقى لكونها تعمل على العناية بشؤون المراكز الإسلامية في أوروبا، ومشاركتها المتميزة في هذا الملتقى تعكس دورها كمؤسسة تسعى لتحقيق التكامل والتعاون بين المراكز الإسلامية، وتعزيز التواصل مع المجتمعات الأوروبية الأخرى، ومشاركتها المتميزة و "ذات الوزن" تشير إلى قدرتها على تقديم رؤى عميقة وتأثير إيجابي في النقاشات مما يعزز مكانتها كمؤسسة رائدة في أوروبا، حيث قدم فضيلة الشيخ مهاجري زيان بحثًا بعنوان: التعارف الإنساني وأثره في تعزيز السلم الاجتماعي في المجتمعات الأوروبية متعددة الأديان والثقافات .."تجربة الهيئة الأوروبية للمراكز الإسلامية نموذجاً"
والذي بيّن فيه تمثيل المسلمين في أوروبا: كونها هيئة تجمع شخصيات دعوية من عدة دول أوروبية، فإنها تلعب دورًا في التعبير عن هموم الجاليات المسلمة، وتعزيز القيم الإسلامية المعتدلة: من خلال نشر الوعي بالإسلام كدين يدعو إلى السلام والتعايش، ودعم الحوار البيئي والاجتماعي: كما يظهر في إصداراتها مثل مجلة "لتعارفوا"، التي تناقش قضايا مثل البيئة والتنمية المستدامة، مما يعكس رؤية شاملة للإسلام في معالجة التحديات المعاصرة.
وتمثل مجلة "لتعارفوا" أحد أبرز مشاريع الهيئة، وهي مجلة شهرية تصدر بثلاث لغات: العربية، الفرنسية، والإنجليزية في مطلع كل شهر هجري، وقد اختارت الهيئة لهذا الإصدار اسمًا يحمل في جوهره دعوة قرآنية صريحة: "لتعارفوا"، لتكون المجلة امتدادًا عمليًا لرسالة التعارف الحضاري بين المسلمين وغيرهم.
وكانت الرسالة الرئيسية للملتقى تتمحور حول:
أولا: تعزيز التعايش السلمي: تشجيع التفاهم المتبادل بين الأديان والثقافات المختلفة، خاصة في سياق أوروبي حيث تتعدد الخلفيات الثقافية والدينية.
ثانيا: بناء العلاقات الإيجابية: إرساء علاقات قائمة على الاحترام المتبادل والتعاون بين المجتمعات المسلمة وغير المسلمة.
ثالثا: مواجهة التحديات المعاصرة: معالجة قضايا مثل الإسلاموفوبيا، التمييز، وسوء الفهم الثقافي من خلال الحوار المفتوح.
رابعا: إبراز القيم الإنسانية المشتركة: التأكيد على القيم المشتركة مثل العدالة، السلام، والتسامح التي تجمع البشر بغض النظر عن اختلافاتهم.
أما بالنسبة للأهداف التي سعى الملتقى لتحقيقها أذكرها فيما يلي:
أولا: تعزيز الحوار بين الأديان والثقافات: توفير منصة للقادة الدينيين والمجتمعيين لتبادل الأفكار وتعزيز التفاهم المتبادل، مما يساهم في تقليل التوترات الثقافية والدينية.
ثانيا: تمكين المجتمعات المسلمة في أوروبا: دعم الجاليات المسلمة في أوروبا من خلال تمثيل احتياجاتهم وهمومهم، وتعزيز دورهم كجزء لا يتجزأ من المجتمعات الأوروبية.
ثالثا: تصحيح الصورة النمطية عن الإسلام: تقديم صورة إيجابية عن الإسلام كدين يدعو إلى السلام والتعايش، خاصة في مواجهة التحديات مثل الخطابات المتطرفة أو الإسلاموفوبيا.
رابعا: تشجيع التعاون المؤسسي: تعزيز التنسيق بين المراكز الإسلامية والمؤسسات الأخرى في أوروبا لتحقيق أهداف مشتركة تتعلق بالتعليم، الثقافة، والتكامل الاجتماعي.
خامسا: وضع حلول عملية: مناقشة التحديات التي تواجه المسلمين في أوروبا، مثل قضايا التكامل، التعليم الديني، والتمثيل السياسي، واقتراح حلول عملية.
وأخيرًا فإن اختيار الموضوع كان موفقًا لأنه يعالج قضية جوهرية في عالم اليوم، حيث تزداد الحاجة إلى الحوار بين الثقافات في ظل التحديات العالمية مثل التطرف والانقسامات الاجتماعية، وكان الاهتمام الأكثر حول القضية الفلسطينية والدماء المراقة في غزة، كما وفر منصة للتواصل بين مختلف الجهات، بما في ذلك القادة الدينيين، البرلمانيين، وممثلي الأديان الأخرى، مما يعزز التعاون المؤسسي والمجتمعي.
في رأيك كيف يمكن استثمار مثل هذه المؤتمرات الدولية لتعزيز قضايا الأمة الإسلامية، خاصة في ظل التحديات التي تواجهها اليوم؟
للإجابة على سؤالكم حول كيفية استثمار المؤتمرات الدولية التي تُعنى بالتعارف الإنساني والتعايش لتعزيز قضايا الأمة الإسلامية في ظل التحديات المعاصرة، يمكن التركيز على الاستراتيجيات التالية بطريقة موجزة ومباشرة:
أولا: تعزيز الحوار الحضاري: استغلال هذه المؤتمرات لعرض القيم الإسلامية الأصيلة مثل التسامح والعدالة والتعاون، مع تصحيح الصور النمطية السلبية عن الإسلام من خلال حوارات مفتوحة مع ثقافات وديانات أخرى.
ثانيا: إبراز القضايا المشتركة: التركيز على قضايا عالمية مثل العدالة الاجتماعية، تغير المناخ، والفقر، مع ربطها بالمبادئ الإسلامية، لإظهار مساهمة الأمة الإسلامية في حل المشكلات العالمية.
ثالثا: إنشاء شبكات تعاون بنّاء: إنشاء تحالفات مع منظمات دولية ومجتمعات مدنية لدعم قضايا الأمة الإسلامية، مثل حقوق الإنسان في المناطق المتأزمة (فلسطين، اليمن، إلخ)، مع الاستفادة من منصات المؤتمرات لتكوين شراكات استراتيجية.
رابعا: تمكين الشباب والإعلام: تشجيع مشاركة الشباب المسلم في هذه المؤتمرات لتقديم رؤى حديثة، مع الاستفادة من وسائل الإعلام الرقمية لنشر رسائل إيجابية تعزز التعايش وتواجه التحديات مثل الإسلاموفوبيا.
خامسا: تطوير خطاب موحد: التنسيق بين الدول والمؤسسات الإسلامية لتقديم رؤية موحدة حول القضايا الكبرى (مثل القدس، اللاجئين، والتمييز)، مع التركيز على حلول عملية بدلاً من الشعارات.
ويمكن استثمار هذه المؤتمرات لبناء جسور التواصل، تعزيز الفهم المتبادل، ودعم قضايا الأمة الإسلامية عبر خطاب عقلاني وموحد، مع التركيز على الحلول العملية والشراكات الدولية.
ناقش الملتقى قضايا التعايش وتعارف الحضارات في ظل أزمات دولية متصاعدة، ما الدور الذي ينبغي أن تضطلع به القيادات الدينية لترسيخ هذه القيم في واقع المجتمعات المعاصرة؟
لتعزيز قيم التعايش وتعارف الحضارات في ظل الأزمات الدولية المتصاعدة، يمكن للقيادات الدينية أن تلعب دورًا محوريًا من خلال الاستراتيجيات التالية مع الأخذ في الاعتبار الواقع المعاصر:
أولا: تعزيز الخطاب الديني المتوازن:
• صياغة خطاب ديني يركز على القيم المشتركة مثل الرحمة، العدالة، والسلام، مع تجنب الخطابات المتطرفة أو التحريضية.
• الاستناد إلى النصوص الدينية لإبراز مبادئ التعايش، مثل الآية القرآنية: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا” (الحجرات: 13).
ثانيا: المشاركة في الحوار بين الأديان:
• قيادة مبادرات حوار مع قادة دينيين آخرين لتعزيز التفاهم المتبادل ومواجهة التوترات الطائفية أو العرقية.
• المشاركة في مؤتمرات دولية مثل تلك التي تناقش التعايش، لتقديم نماذج عملية من التعاون بين الأديان (مثل مبادرات التعايش في الأردن أو إندونيسيا).
ثالثا: التأثير على المجتمعات المحلية:
• تنظيم برامج توعية في المساجد، الكنائس، والمعابد لنشر ثقافة التسامح والقبول بالآخر.
• تدريب الأئمة والقساوسة على مهارات التواصل الحديثة للوصول إلى الشباب عبر منصات التواصل الاجتماعي.
رابعا: مواجهة الأزمات الدولية:
• إصدار بيانات مشتركة تدين العنف والتمييز، وتدعو إلى حل النزاعات (مثل القضية الفلسطينية أو أزمات اللاجئين) عبر الحوار والعدالة.
• التعاون مع منظمات الإغاثة الإنسانية لتقديم مساعدات محايدة تعكس قيم التعايش.
خامسا: تفعيل دور الإعلام الرقمي:
• استخدام منصات مثل X لنشر رسائل إيجابية، ومكافحة الإسلاموفوبيا أو معاداة الأديان الأخرى من خلال محتوى جذاب وموثوق.
• الرد على الروايات المغلوطة بمعلومات دقيقة، مع التركيز على قصص نجاح التعايش (مثل تعاون المجتمعات في إعادة إعمار مناطق متضررة).
موضوع الملتقى يلامس أطروحتكم في الدكتوراه حول "الأخوة الإنسانية"، هل ترين أن هذا المفهوم بات بعيد المنال في ظل التوترات الدولية والاصطفافات الدينية والسياسية؟
مفهوم "الأخوة الإنسانية"، الذي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بأطروحتي في الدكتوراه، يواجه بالفعل تحديات كبيرة في ظل التوترات الدولية والاصطفافات الدينية والسياسية، ومع ذلك لا أرى أنه بات بعيد المنال بل يتطلب جهودًا متجددة ومقاربات عملية لتجسيده.
تبدو "الأخوة الإنسانية" صعب المنال من خلال ما يلي:
أولا: التوترات الدولية:
• الصراعات الجيوسياسية، مثل الحروب في أوكرانيا، غزة، أو التوترات في بحر الصين الجنوبي، تعمق الانقسامات وتغذي خطابات الكراهية.
• الاستقطاب السياسي سواء في الغرب أو العالم الإسلامي يعزز الاصطفافات القومية والدينية، مما يضعف فكرة الوحدة الإنسانية.
ثانيا: الاصطفافات الدينية:
• تصاعد الإسلاموفوبيا ومعاداة الأديان الأخرى في بعض المجتمعات يعيق الحوار البناء.
• التفسيرات المتشددة للنصوص الدينية، سواء في الإسلام أو غيره تحول دون التركيز على القيم المشتركة.
وهنا أتساءل هل الأخوة الإنسانية ممكنة؟
رغم هذه التحديات يعتبر مفهوم الأخوة الإنسانية ليس مستحيلاً، بل يحتاج إلى جهود استراتيجية مثل:
إحياء المبادرات العالمية:
- وثيقة “الأخوة الإنسانية” ( التي وقّعها الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب والبابا فرنسيس عام 2019) مثال عملي على إمكانية بناء جسور بين الأديان، يمكن استثمار مثل هذه المبادرات في المؤتمرات الدولية لتعزيز الحوار.
- مبادرات مثل “تحالف الحضارات” التابع للأمم المتحدة توفر منصات للتعاون بين الثقافات.
دور القيادات الدينية:
• يمكن للقيادات الدينية كما ناقشنا سابقًا أن تركز على تعليم القيم المشتركة مثل: الرحمة والعدالة ومواجهة التطرف عبر خطابات دينية معتدلة.
• تنظيم فعاليات مشتركة (مثل صلوات مشتركة أو مشاريع إنسانية) يعزز الشعور بالأخوة.
تمكين المجتمعات المحلية:
• تشجيع المبادرات الشعبية، مثل برامج التبادل الثقافي أو المشاريع الخيرية المشتركة يساعد في ترسيخ الأخوة على مستوى القاعدة.
• الشباب الذين يشكلون نسبة كبيرة من سكان العالم الإسلامي يمكن أن يكونوا قوة دافعة عبر منصات رقمية لنشر رسائل التسامح.
• التعاون مع مؤثرين رقميين لتعزيز خطاب الأخوة الإنسانية.
مفهوم الأخوة الإنسانية ليس بعيد المنال لكنه يتطلب إرادة قوية وتعاونًا متعدد الأطراف بين القيادات الدينية، المؤسسات الدولية، والمجتمعات المحلية، المؤتمرات مثل الملتقى المذكور تُعد فرصة ذهبية لتعزيز هذا المفهوم من خلال حوار مفتوح ومبادرات عملية.
تُعدّ قضية التعارف الإنساني من صميم رسالة الهيئة الأوروبية للمراكز الإسلامية، والتي تعكسها أيضًا مجلة "لتعارفوا" من خلال اسمها ومحتواها، ماذا تعني لكم هذه الرسالة؟ وكيف ترون أثرها في الواقع الأوروبي؟
لإيصال مفاهيم التعارف والتعايش الإنساني إلى المسلمين في أوروبا ومخاطبة الإعلام والرأي العام لتصحيح الصورة النمطية عن الإسلام وتعزيز الانفتاح، يمكن توسيع الاستراتيجية كما يلي:
لابد من الاهتمام بتعزيز التوعية عبر المساجد والمراكز الثقافية من خلال خطابات دينية معتدلة تربط قيم الإسلام بالمواطنة الأوروبية، مع تنظيم ورش عمل وبرامج تعليمية تركز على التاريخ الإسلامي للتعايش، وإشراك الشباب أمر حاسم من خلال فعاليات تبادل ثقافي مع مجتمعات متنوعة، واستخدام منصات لنشر محتوى جذاب يعكس تجارب إيجابية للمسلمين المندمجين، كما يمكن تطوير تطبيقات تعليمية تفاعلية تروج لقيم التعارف بطريقة عصرية.
ولمخاطبة الإعلام والرأي العام يجب إنتاج محتوى إعلامي عالي الجودة (فيديوهات، مقالات، بودكاست) لإبراز إسهامات المسلمين في العلوم، الفنون، والعمل الاجتماعي، مع التعاون مع وسائل إعلام أوروبية لنشر قصص نجاح حقيقية، حملات رقمية على المنصات بمشاركة مؤثرين مسلمين وغير مسلمين يمكن أن تقاوم الإسلاموفوبيا عبر التركيز على قصص إنسانية مشتركة، تنظيم فعاليات مفتوحة، مثل مهرجانات ثقافية أو أيام “أبواب مفتوحة” في المساجد، يساعد على تعريف الأوروبيين بالإسلام بشكل مباشر، كما يمكن إنشاء تحالفات مع منظمات مدنية ودينية غير إسلامية لدعم مبادرات مشتركة مثل مشاريع إغاثة أو حماية البيئة لتعزيز التفاهم وكسر الحواجز.
فالتحدي الرئيسي هو مقاومة الاستقطاب السياسي والإعلامي، ويمكن التغلب عليه بالتركيز على القضايا الإنسانية العالمية التي تجمع الناس، مثل تغير المناخ أو حقوق اللاجئين مع تجنب الخطابات الدفاعية.
هل حظيتم بزيارات ميدانية على هامش المؤتمر؟ وما انطباعكم عن مسجد الجزائر الأعظم، باعتباره معلمًا حضاريًا وروحيًا فريدًا في العالم الإسلامي؟
نعم، نظم المجلس الإسلامي الأعلى عدة زيارات من أهمها زيارة المتحف الوطني للمجاهد بالجزائر العاصمة الذي يُعنى بحفظ ذاكرة الثورة الجزائرية (1954-1962) وتخليد النضال ضد الاستعمار الفرنسي، ويعرض مراحل المقاومة الشعبية والحركة الوطنية والثورة التحريرية عبر صور، مقتنيات، ولوحات، كما يقدم برامج ثقافية وتعليمية ويحتفظ بأكثر من 7000 شهادة من المجاهدين.
كما قمنا بزيارة أقدم مسجد في الجزائر هو المسجد الكبير في الجزائر العاصمة والذي يقع في قلب مدينة الجزائر القديمة (القصبة)، ويُعد أحد أهم المعالم التاريخية والدينية في البلاد، يتميز بمئذنته المربعة وتصميمه المعماري البسيط الذي يعكس فن العمارة المرابطية.
وشرفنا بزيارة جامع الجزائر الأعظم المعروف أيضًا بمسجد الجزائر الكبير، وهو معلم ديني وثقافي بارز في العاصمة الجزائرية، ويُعد ثالث أكبر المساجد في العالم بعد الحرمين الشريفين، كما أنه أكبر مسجد في أفريقيا، ويقع على ساحل بلدية المحمدية بالعاصمة، ويتميز بتصميمه المعماري الحديث المستوحى من التراث الإسلامي الجزائري، مع مئذنة شاهقة تُعتبر الأطول عالميًا، يضم المسجد قاعة صلاة رئيسية، مكتبة، مركزًا ثقافيًا، ومتحفًا للفن والتاريخ الإسلامي، بالإضافة إلى قاعات للمعارض والمؤتمرات، يُعدّ رمزًا للوحدة الوطنية ومكانًا للعبادة والتعليم، ويستقطب الزوار من داخل الجزائر وخارجها.
بالإضافة إلى جولة في معظم الأماكن في الجزائر العاصمة التي تتسم بجمال الطبيعة والبحر، وكان ضمن الوفد دكتورة Pawla التي جاءت خصيصًا من روما للمشاركة في هذا الملتقى واستمتعت كثيرًا بهذه الأجواء كما تأثرت ببلد المليون ونصف المليون شهيد، حفظ الله الجزائر حكومة وشعبًا، وأدام الله على الأمة العربية والإسلامية نعمة الأمن والأمان والسلم والسلام، وأخص أهلنا في فلسطين خاصة غزة .
في ختام هذا الحوار، ما الكلمة التي تودّين توجيهها لقرّاء مجلة “لتعارفوا”؟
أكرر توجيه الشكر والتحية للقائمين على هذا الملتقى الدولي الفريد وعلى رأسهم معالي الدكتور مبروك زيد الخير، والشكر موصول لفضيلة الشيخ مهاجري زيان على مواقفه المشرفة لنشر الإسلام من خلال منهج وسطي متميز، وتحية خاصة لقراء مجلة "لتعارفوا"، مع تقديم التوصيات لهم بالاستمرار على نهجهم التصالحي في المجتمعات التي تضمهم في أحضانها لتقديم صورة مثالية للإسلام الحنيف بقيمه الإنسانية الراقية.
رئيس الهيئة الأوروبية للمراكز الإسلامية.. الشيخ مهاجري زيان حصريا لـ”الحوار”:دور أغلب المراكز...
حوارات
أكد رئيس الهيئة الأوروبية للمراكز الإسلامية، مهاجري زيان ان ما حصل في مسجد نيوزيلاندا أبشع جريمة كرا...
حوارات
الدكتور محمد عبد الكريم العيسي أمين عام رابطة العالم الإسلامي في حوار خاص معنا :نحمل هموم الشعوب الإ...
حوارات
المونسنيور الدكتور خالد عكشة، في حوار مع “لتعارفوا”:“دور الدول هو عدم عرقلة الحوار الدّيني وتشجيعه،...
حوارات